المقريزي

180

إمتاع الأسماع

وقد أفسد قومه ولفظوه ؟ فكان ذلك مما ادخر الله عز وجل للأنصار وأكرمهم به ، [ من البركة ( 1 ) ] . فلما توفي أبو طالب ارتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ما كان ، فعهد إلى ثقيف بالطائف ، رجاء أن يؤووه ، فوجد ثلاثة نفر ، هم ساده ثقيف يومئذ ، وهم إخوة : عبد يا ليل بن عمرو ، وحبيب بن عمرو ، ومسعود بن عمرو ، فعرض عليهم نفسه ، وشكا إليهم البلاء ، وما انتهك منه قومه ، فقال أحدهم : أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله قد بعثك بشئ ! وقال الآخر : أعجز الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الآخر : والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدا ، والله لئن كنت رسول الله ، لأنت أعظم شرفا وحقا من أن أكلمك ، ولئن كنت تكذب على الله ، لأنت أشر من أن أكلمك ، وهزءوا به ، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به ، وقعدوا له صفين على طريقه ، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين صفيهم ، جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعها ، إلا رضخوها بالحجارة ، حتى دموا رجليه ، فخلص منهم وهما يسيلان الدماء . فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظل في ظل حبله ( 2 ) منه ، [ وهو ] مكروب موجع ، تسيل رجلاه دما ، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، فلما رآهما كره مكانهما ، لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله ، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما [ لهما ] يدعى عداس - هو نصراني من أهل نينوى معه عنب - فلما جاءه عداس ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أي أرض أنت يا عداس ؟ قال : أنا من أهل نينوى ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال له عداس : وما يدريك من يونس بن متى ؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة ربه - : أنا رسول الله ، والله عز وجل أخبرني خبر يونس [ بن ] متى ، فلما أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس بن متى ، خر عداس ساجدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء ، فلما أبصر عتبة وشيبة ما صنع غلامهما ، سكتا ،

--> ( 1 ) ( دلائل أبي نعيم ) : 1 / 295 حديث قم ( 221 ) . ( 2 ) الحبلة : شجرة العنب .